التعريف بمؤسس الجامعة

العلامة السيد مرتضى العسكري (رحمه الله)

العلامة العسكري

آية الله العلامة السيد مرتضى العسكري (رحمه الله) أحد الوجوه الخالدة لهذه الكلية وللعالم الإسلامي. وفيما يلي نبذة موجزة عن حياته.

قلّما يوجد أحد من أهل التحقيق والتفحّص في علم الكلام لم يسمع باسم الرجل الكبير في ميدان دراسة الحديث المعاصر وحامل لواء مكافحة التعصّبات الجوفاء، العالم البارز في عالم التشيّع، حضرة آية الله العلامة السيد مرتضى العسكري (رحمه الله)، ولم يتصفّح آثار هذا المجاهد الدؤوب.

وُلد آية الله العلامة السيد مرتضى العسكري (رحمه الله) عام 1293 هـ.ش (1914 م) في أسرة روحانية إيرانية الأصل من أهالي ساوة، أسرة شاءت لها يد التقدير أن تكون من المستفيدين من مائدة معرفة الإمامين العسكريين (عليهما السلام) في سامرّاء. وكان شديد الشغف بالتحقيق على طريقة جدّه خاتم المحدّثين. وفي السابعة عشرة من عمره قدم إلى قم ودرس الدروس العالية ومباحث الأخلاق والتهذيب والكلام والتفسير عند آيات الله العظام الإمام الخميني والمرعشي النجفي وشريعتمدار الساوجي والحاج ميرزا خليل الكمرئي (قدّس الله أسرارهم)، ثم عاد إلى العراق.

أنهى دروس البحث الخارج في العراق. وبعد أن قوبل مشروعه بشأن إنشاء مدرسة للعلوم الدينية خاصة بالشيعة في العراق بالمعارضة، جاء إلى إيران وتحدّث مع حضرة آية الله العظمى البروجردي (قدّس سرّه) بشأن مدرسة حديثة للعلوم الدينية. ولقي المشروع موافقته، لكنه تزامن تاريخياً مع حركة تأميم صناعة النفط فاضطربت الأوضاع، وأسكت التيار السياسي في ذلك العصر هذا المشروع.

عاد مجدّداً إلى العراق، وبدعم من المرجع الجليل حضرة آية الله العظمى السيد محسن الحكيم، أسّس مدارس ومؤسسات دينية كثيرة.

وفي ذلك العصر شاعت طريقة مفادها إرسال مبلّغين من النجف إلى سائر البلدان لتبليغ دين الإسلام المبين ومذهب التشيّع الطاهر. غير أن هؤلاء المبلّغين كانوا يعودون إلى ديارهم دون توفيق يُذكر، لأسباب كثيرة منها عدم إلمامهم بثقافة الأمم المضيفة وآدابها وعاداتها. وإثر هذه الإخفاقات، اختمرت في ذهن المرحوم العلامة العسكري (رحمه الله) فكرة جديدة، فخطا بذلك إلى ميدان جديد.

وكانت الفكرة أنه بدلاً من إرسال المبلّغين من النجف إلى مختلف البلدان، يمكن استدعاء الراغبين من تلك الأمم نفسها، وبعد تعليمهم وتهذيبهم، إعادتهم للتبليغ في بلدانهم. وكانت هذه الفكرة أساس تأسيس كلية أصول الدين في بغداد.

أجل! تأسّست كلية أصول الدين في بغداد – رغم كل تضييق الحكومة آنذاك وكل المشقّات المضنية التي فرضتها على العلامة العسكري (رحمه الله) – وأثمرت خيراً، حتى إنه بحلول وقت خروج هذا العالم المجاهد قسراً من العراق كان قد تخرّج منها دفعتان من الطلاب؛ متخرّجون أمثال السيد نوري المالكي رئيس وزراء العراق الأسبق، والدكتور خضير عباس وزير التربية الأسبق، والدكتور محمد الشمّري عميد كلية الآداب في الجامعة المستنصرية، وسائر الأعلام الذين يخدمون في مناصب مهمة ومراكز علمية وبحثية كبرى.

وسعت حكومة العراق آنذاك، التي كانت ترى في سياسة مواجهة العلماء السبيل الوحيد لبقائها، إلى إيذاء العلامة بل قتله، فاضطُر إلى الخروج من العراق والتوجّه إلى سوريا. وحين كان المرحوم العلامة العسكري مقيماً في سوريا، طلب منه أهل تلك الديار – عبر المرحوم آية الله العظمى الگلپايگاني (قدّس سرّه) – أن يؤسّس مركزاً علمياً في تلك المدينة. وطرح آية الله الگلپايگاني (رحمه الله) هذا الأمر معه في رسالة وشجّعه على هذا العمل الخيّر.

رسالة آية الله العظمى السيد محمد رضا الگلپايگاني

بسم الله الرحمن الرحيم.

حضرة العلامة المحقّق العالم الكبير اليقظ السيد مرتضى العسكري (دامت تأييداته).

سلام عليكم؛ أسأل الله تعالى لكم الصحة وطول العمر بعزّة وعافية، وأدعو أيضاً أن يكون توفيقكم متزايداً يوماً بعد يوم وأن يبقى العون الإلهي لكم ثابتاً؛ عوناً في خدمة الدين الحنيف والمذهب الحق، وفي إعلاء كلمة التوحيد ونشر معارف ذلك البيت الذين هم أهل بيت الوحي والقرآن (عليهم أفضل صلاة المصلّين)، وأثمّن جهادكم ومساعيكم في هذا الطريق.

وبعد، فقد طلب جماعة من مؤمني أهل حلب – وفّقهم الله تعالى لما فيه رضاه – منكم عبرنا أن تُقدِموا في تلك الديار على تأسيس مؤسسة علمية إسلامية. ونظراً إلى هذه الرغبة والطلب، يجدر بكم أن تلبّوا طلبهم وتجيبوا دعوتهم، وأن تُخرجوا رغبتهم إلى حيّز التنفيذ بالكيفية التي ترونها صلاحاً ومناسبة؛ وكذلك حال سائر المناطق. ويجدر بالمؤمنين الكرام – أهل تلك الديار والخيّرين والأخيار في سائر البلاد – أن يشاركوا في مساعيكم وألّا يدّخروا وسعاً في هذا الطريق إن شاء الله. ونسأل الله تبارك وتعالى، وعليه وحده نتّكل، أن يُكمل مساعيكم بالنصر النهائي وأن يكون آخذاً بيدكم في مسير بلوغ خير الدنيا والآخرة، فإنه سميع مجيب.

وسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

المدينة المقدسة قم، الثالث من جمادى الثانية 1414 هـ.ق
السيد محمد رضا الگلپايگاني

بعد مدة من الإقامة في سوريا ولبنان، استقرّ العلامة العسكري (رحمه الله) في إيران وبقي فيها حتى نهاية عمره المبارك. وبعد رحيل مؤسّس الجمهورية الإسلامية في إيران الإمام الخميني (قدّس سرّه)، طلب سماحة القائد آية الله الخامنئي، في رسالة بخطّ يده المبارك باللغة العربية، من العلامة العسكري (رحمه الله) أن يُعيد تأسيس كلية أصول الدين (التي كان يعرفها من قبل ويُلمّ تماماً بأهدافها السامية) في إيران. وفيما يلي ترجمة الرسالة.

الرسالة بخطّ يد سماحة القائد

حضرة العلامة المحقّق السيد مرتضى العسكري (دام عزّه).

سلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

أرى لزاماً أن تواصلوا نشاطكم المثمر بإعادة فتح كلية أصول الدين، لكي يُربّى – بمشيئة الله تعالى – علماء ومتخصصون في مجال البحوث في علوم القرآن والحديث والسيرة. وأسأل الله سبحانه أن تستمرّ، بإعادة فتح هذه الكلية في المدينة المقدسة قم وفروعها في سائر المناطق، مساعيكم العلمية الخالصة الدؤوبة في نشر حقائق الإسلام التي تمّت بمقاربة علمية محايدة بعيدة عن التعصّب والنظرة السطحية. وأتوقّع من الإخوة المؤمنين أن يعينوكم في إنجاز هذا العمل النافع. ثبّت الله خطاكم في طريق الخير.